على أعتاب الزمن الجديد


لم أكن أحب لأحدهم أن يصعد منبر الجمعة كي يكيل الشتائم لمفكر وسياسي عربي كبير بحجم هيكل, وأن يصمه ب"صهيوني" لمجرد فهم خاطئ لكلمة قالها المفكر الكبير.

وإذا كان منبر الثورة الشابة-إذا كان المنبر يمثلها!- قد قال ذلك في حق هيكل, فما عساه أن يقول في حق من يختلف معه أو يمكن أن يختلف معه؟

"القبيلة تريد أن تصبح دولة", لا أظن أن هذه العبارة بعيدة عن ما هو حاصل في اليمن, على اعتبار أن القبيلة أو المجتمع اليمني بطابعه القبلي يحاول أن يرتقي نحو العصر الحديث بإعلانه عن مطلب أساسي كبير وهو الدولة المدنية الحديثة. وفي درب طويل مضن كان قد بدأه الشعب اليمني منذ يصف قرن على الأقل, بإعلانه الجمهورية, ومن قبلها, محاولته إنشاء دستور في غياهب أربعينيات القرن الماضي.

كل تلك الثورات والجهود, كانت في الأساس تحاول أن تصل إلى مرحلة الدولة بالمعنى الحديث, أي الدولة المدنية الحديثة, التي يكون القانون فيها الحاكم الفعلي, والمرجعية الأساسية, يتساوى تحت ظلها الحاكم والمحكوم.

كلمة هيكل كانت إعترافا بمدى التغير الحاصل في اليمن. القبيلة تخرج عن جلدها لأول مرة في التاريخ.. ويصبح مطلبها الأول وجود دولة مدنية حديثة.. وهو ما رأيناه بأم أعيننا على منصات الشباب بكل أطيافهم.

إن الإختلاف على مفهوم الثورة, ما كان له أن يجر أحدهم إلى شتم المفكر الكبير ونعته بالصهيوني! ومن منبر جمعة شباب الثورة! وإنني أربأ بالثورة وشبابها أن يهويا إلى هذا الدرك المظلم والجاهل,..والأحمق!

يبدو أن اليمنيين على مفترق طرق, وأن عليهم وهم على حافة المفترق أن يتفقوا على عقد إجتماعي جديد, جدة مطلبهم الأجد: الدولة المدنية الحديثة.

ليس من المدنية, ولا من الحداثة, الخطاب من على منبر الجمعة بكيل الشتائم لرموز الأمة ومفكريها! لأن هذا بالضبط, هو الطابع القبلي! وهذه هي الروح القبلية المتعصبة الممقوتة في الحوار الحوار والتفكير.

نعم, ما تزال الروح القبلية -للأسف- في جانبها السلبي مسيطرة على الأرواح, والعقول..

تأمل معي قنوات التلفزيون اليمنية, إنها إما مع, أو ضد, وبشكل بدائي "قبلي" فج. يتساوى في ذلك كل القنوات الحكومية والخاصة!

والأدهى أنه لم يظهر برنامج واحد في أية قناة –رغم ظهور أكثر من عشر قنوات جديدة- يحاول أن يستضيف أعلام الرأي والفكر والتاريخ والقانون!

كأن الجميع في مهرجان ضخم لإعلان المواقف فحسب..أبيض أو أسود.
هذا هو المجتمع القبلي الذي يحاول الشباب الرائعون الخروج من بوتقته..وجلده, وجلاديه.

لم تظهر قناة واحدة تعبر عن الإعلام في أعلى تجلياته: محاولة الفهم أولا, والبحث عن حقائق ما يحدث..

الطريقة القبلية في التفكير, والروح القبلية في النظرة للآخر, ما تزالان المسيطرتين على تلابيب القلوب, والعقول.. إلا من رحم الله!

حسنا فعل الشباب الثائر حين لخص أهدافه الكبيرة في ثلاثة كلمات: دولة مدنية حديثة..ولا شيء يمكن أن يجمع اليمنيين أعظم من هذا الهدف الكبير, والملح, العادل, والمعبر عن العصر, وآمال وتطلعات الشعب اليمني كله.

إن أروع, وأغلى ما تمتلكه اليمن الآن, شبابها الثائر, من كل المحافظات..في كل الساحات. الجيل الذي يجب أن يتسلم مقاليد إدارة البلاد, ويتسنم دفة التغيير. شباب يعيش العصر, تغييرا, وتقدما, ونماء, وحياة حرة كريمة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق