الجناية الكبرى!


   أمريكا غاضبة لأن الإنترنت يُعطَل أحيانا في سوريا! ومبارك يُحاكم لأسباب كثيرة منها قطع الهاتف والإنترنت ليوم واحد! وفي اليمن لا أحد يهتم أو يأبه لانقطاع الكهرباء وانعدام الديزل ولمدة أشهر!

من يتحدث عن الإنترنت إذا كانت الكهرباء مقطوعة؟ من سيشاهد القنوات الفضائية أو يتابع الأخبار إذا كانت الكهرباء غير موجودة بالأساس؟..هذه هي الحكمة اليمانية, وهذا هو التراث العريق القاسي الذي يجري في الدماء, فلا الحاكم يأسى للناس ولا الناس يفهمون اللعبة!..أريدهم أن يفهموا فحسب..لأن الفهم هو البداية الصحيحة.

دخل أحد تجار صنعاء الكبار في أربعينيات القرن الماضي على الإمام يحي, يعرض عليه مشروع إنشاء سينما في صنعاء, وبعد أن سأله الإمام عن ماهيّة السينما ومعناها, قبل على مضض, ولكن بشروط! فتهلل وجه التاجر فرحا وقال: ما هي الشروط يا مولاي؟.. قال الإمام: أن تكون الأفلام إسلامية.قال التاجر بعد تأمل: قبلت. قال الإمام: وأن تكون الأفلام خالية من النساء تماما!

أطرق التاجر متعجبا محتارا وقال:ولكن يا سيدي من أين نأتي بأفلام بلا نساء البتّة؟..قال الإمام: هو ذاك!

فكَّر التاجر وتأمل قبل أن يعلن موافقته,فقال الإمام: بقي الشرط الأخير..أن يكون الدخول مجانا!

هنا صُدِمَ التاجر, وخرج يجُرُّ أذيال الخيبة, إذا لم يكن قد وقع مغشيَّا عليه.

ولأن هذا التراث القاسي الفضيع يجري في العروق..أقصد في عروق وقلب النظام السياسي اليمني, فقد تم التعامل مع القضايا بنفس الروح الإمامية النابضة في العروق: قطع الكهرباء وانعدام الديزل والبنزين = الدخول للسينما بالمجّان! بمعنى أن الإمام كان يعرف أن شرطه الأخير هو إلغاءٌ للمشروع..وكذلك ما يحدث الآن للكهرباء والديزل والبنزين.

فعل النظام ما لم يخطر على بال أحد..القطع التام للكهرباء والديزل عن الناس جميعا..أي الظلام وعدم التواصل بين الناس.

والظلام في الأصل هو فكرة إمامية, ولكن كل ظلام الأئمّة وظلمهم لا يوازي ظلام وظلم الأشهر الماضية في اليمن. تشرَّدَ الملايين من عمال وموظفي القطاع الخاص, ونكبت البلاد, واكتأبت العباد..إذا لم يكن النظام هو الفاعل فهو المسؤول, وإلا فما معنى الشرعية الدستورية.

وإذن, فإن مسألة الإنترنت تصبح نكتة إزاءَ قطع الكهرباء وعلى مدار الساعة والأشهر.

أيَّة عبقرية سوداء ساذجة متخلفة تفعل ذلك؟..ومن سيقاتل الجيش العرمرم إذا لم يقاتل من أجل تدفق البترول الذي يشكل 80% من الدخل القومي؟

لو حدث في مصر أو غيرها ما يحدث لدينا من انقطاع للكهرباء لأكل الناس رموز النظام وإدارته بأسنانهم.

إن مأساة الكهرباء في اليمن تلخيصٌ لروحٍ, وخُلاصةٌ لرؤية وتفكير, وليست فقط مجرد قسوة أو عقاب جماعي.
إنّها جناية كبرى فعلت بالوطن ما لم تفعله كل الحروب والأزمات خلال نصف قرن على الأقل. كأن البلد مجرد مزرعة خاصة والمالك يعاقب عُمّاله أو عبيده! يحدث ذلك في مطلع العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين..!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق