توكل


أجمل ما في جائزة نوبل توكل كرمان للسلام 2011,أنها جاءت مفاجَأةً ومفاجِئةَ للجميع. وفي مقدمة المفاجَئين توكل كرمان ذاتها.
الأروع, أن توكل لم تسعَ للجائزة أبدا, أو تُرشَّح من قبل أحد, منظمات أو دولا, أو أفرادا, أو أحزابا..بل لم يخطر على بالها! وذلك يؤكد نقاء قرار اللجنة الدولية للجائزة,وسلامة اختيارها, وصدق توجهها.

في العادة, هناك مرشحون لجائزة نوبل منذ عشرين سنة على الأقل! وفي مجالات متنوعة, وبعضهم يعيش على الأمل بالفوز, ويحشد كل طاقاته ومواهبه وعلاقاته لليوم الموعود بالإعلان عن فوزه!..وربما غادر الحياة وعيناه مفتوحتان على الأمل بالفوز.

توكل نمطٌ مختلف,من طراز جديد! فهذه الفتاة اليمنية العشرينية تضِجُّ بالحياة, والقوة, والشجاعة, والثقافة, والتمرد, عكس سابقاتها وسابقيها من الفائزات والفائزين بالجائزة خلال عشرات السنين, من عواجيز وعجائز العمل الهادئ, والدائب, والراهبات اللواتي انحنت ظهورُهُنَّ أمام الزمن, والأحداث, والإنتظار.

توكل قادت المظاهرات السلمية, وسقط الشباب الشهداء مضرَّجين بدمائهم بين يديها وأمامها, واشتعلت روحها بنور تلك الدماء, وأصابعُها بنبوءةِ تلك الأشلاء..ولم تُدِر ظهرها, وهي الفتاة التي لم تكن قد دخلت معركة, أو حتى مهاوشة, وتنسحب!..كلا..لم تفعل, بل كان ذلك ولادةً جديدةً لتجربةٍ ازدادت يقينا, وصدقا, وتضحية..وشجاعة.

في تراثنا السياسي اليمني المعاصر لا تكاد تجد دورا للمرأة اليمنية, واضحا وجليَّا, وفاتحا, بمعنى أن يكون بادئا ومؤسسا ومغايرا..وحدها توكل كرمان, وقبل فوزها بالجائزة العالمية الكبرى, شقَّت طريقا بأظافرِ شجاعتها,ومشت دربا مستجدا مزروعا بالمخاطر, يضيءُ ليلَ قلبِها هذا الدربُ, وتُذعِنُ لحرارة قلبِها تلك الطريق, وسط دورٍ لافتٍ للفتاة اليمنية الجديدة في الزمن الجديد.

من فضائل فوزها بالجائزة, أن اليمن عادت إلى واجهة الأخبار الإيجابية, والمشِّرفة, ولا أعرف سببا لغضْبةٍ أبداها أحدهم, أو حسدٍ كتمه بعضهم, فهذه لحظة مشرقة في ليلٍ طويل, لا يجب أن تُغضِب إلا مرضى النفوس, والأرواح.

وائل غنيم المصري الرائع كان مرشحا للجائزة, وهو يستحقها حقا,ولكنّ كفَّة توكل كانت الأرجح, وفي ظني ,أن كفة توكل الشُجاعة المواجهة, الجريئة, رجَحَت على كفة وائل-وهو الفتى- اللاب توب,والكهرباء, والإضاءة.

كانت تجربة وائل غنيم بعد خطفه قبل سقوط نظام مبارك,محزنة ومروِّعَة, ولقد تابعناها بإعجاب وإشفاق, وهي بطولة من نوع خاص..لكنَّ توكل العاصفة شيءٌ آخر, بنت جبال اليمن وبراكينها, وهي تُشعل ليلَ صنعاء بثورتها, صنعاء المحرومة من الكهرباء,والضوء, والنّت, واللاب توب!

وائل غنيم فتى مصر الرائع على موعد قادم مع نوبل,لا يشك في ذلك أحد, بعد أن هزّت ثورة مصر 25 يناير عروشا وجيوشا,وشعوبا!
وفي الواقع, أن فوز توكل بالجائزة هو فوزٌ لجيلٍ بكامله,جيل عربي فتيّ, وكما قلت في مرة سابقة, بدا فجأة مثل جنٍّ خرافيٍّ, قافزا من على الأسوار والشوارع, والحواجز, ويطير زُرافاتٍ ووحدانا, كما قال شاعرنا العربي القديم.

توكل بعد جائزة نوبل هي نفسها توكل قبلها,.. لكنَّها أصبحت تحمل بلادا على كتفيها, وتحتضن حلم شعب في عينيها, حلم اليمن الجديد, يمن الدولة المدنية الحديثة كخطوة على طريق المجتمع المدني الحديث المنشود.

في دم توكل , في جيناتها, في حريق صوتها, تنبضُ كل عذابات وعناءات المرأة اليمنية, في الحقول, والوديان والجبال..يداها المجرَّحَتان وهي تجمع الحطب قبل طلوع الفجر, أنينها الصامت في الشعاب الجرداء, أحزانها وهي تصعد الذُرى حاملة جِرار الماء, وقِرَب الحياة, بلا تعب ظاهر, أو لغبٍ كائن.

منذ مئات السنين, سُمّيَت شرعب بشرعب السلام, تيمُّنا بهذا اليوم, وهذه الفتاة, وهذه الجائزة..هكذا يقول أطفالنا,..ونقول أيضا!

أصبحتِ يا توكل عنوانا لبلاد, ورمزا لآمال, وصوتا لمستقبل, وضوءا لفجر يوشك أن ينبلجَ من بين أصابعك.
لذلك, كوني, صوتَ من لا صوتَ له, بل صوت شعب وأمة, وحلم دولة يمنية مدنية حديثة, تعيش العالم, الذي صفَّق لكِ, ورفع قبَّعته احتراما وإعجابا بشجاعتك, وضوء صوتك, وحرقة آمالك نحو العدالة, والقانون, والتقدم, والعيش الكريم لشعب كريم.

لم تعودي مِلكا لحزب,..ولم تكوني كذلك,.. أصبحتِ مِلْكا لشعب, وملكةً لبلاد, بين أجفانها أرقُ الملايين من النساء والرجال وأحلامهم في التغيير والتنوير...الملايين التي لا يجب أن تختلف حولك أبدا,,قد يفعلها السياسيون, لكن الشعب لن يفعل.

في تاريخنا ثمَّة ملكتان وحيدتان..بلقيس وأروى..كانتا متوّجَتين بالجيوش, وكتائب الجنود, ولأنه لا ملكات لدينا في عصرنا الراهن بالمعنى القديم, فإنك قادرة أن تكوني ملكة الأمل, والرجاءَ الجديد المتجدد بلا جيوش, ولا كتائب..المشوار طويل ومُضْنٍ..لكنّ هذا كان اختيارَكِ, واختبارَكِ!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق