المطبخ اليمني للأزمات!


    ثمَّة مطبخ يمني سرّي للأزمات. دخان هذا المطبخ أرعب العالم, وأرهبه, ودوّخه! ولو أن سوقا عالمية رائجة تباع وتشترى فيها الأزمات لأصبح اليمنيون أسياد هذه السوق, وتجارها الأكثر خِبرة "وخُبرة" بل والأكثر تهورا وحماقة بسبب الجشع والطمع اللا محدودين.

وحتى أكون أكثر دقة, فإنني لا أقصد اليمنيين بإجمالهم, بل أقصد بعض مفاصل الإدارة الحكومية, أو مراكز قوى بعينها , عبثت وما تزال تعبث بمقدّرات اليمن, وعوامل استقراره وأمنه وتقدمه.

لا, ليس الشعب اليمني من يقطع الطرقات, ويضرب أعمدة الكهرباء, ويفجر أنابيب النفط, ويقتل الشباب السلمي الثائر, ويحتل مسجد العامرية, ويغلق الجسور والأنفاق والشوارع حتى يموت الناس كمدا وقهرا.

ولم يكن الشعب اليمني من احتل ميدان التحرير, في قلب العاصمة صنعاء, ذلك الميدان الذي كان رمزا للثورة والتغيير والنظافة, وحتى بيع العطور والكتب عبر عقود وعهود, وقد أصبح اليوم مزبلةً لبقايا الرجال والدجاج, ومستنقعا آسنا لشراذم جاثمة هائمة متربصة.

من يفعل ذلك ويديره وينفق عليه؟ وعلى مرأى من الشعب والعالم؟ أليست مراكز مهمة في قلب السلطة ورأسها! وبأموال الشعب ومقدراته؟.

وعندما احتلت بقايا الرجال والدجاج شارع القصر الجمهوري, ونهبت سيارات المواطنين ظهيرة الثلاثاء الماضي, شعرت أن البلد ينحدر بقوة صوب هاوية الصمت والمداراة, والمواراة.

هل هو التوافق أم التواطؤ والتباطؤ؟
كيف يصل وزير الداخلية إلى مكتبه ومن أين؟ هل يرى فوضى المرور والعبور الفادحة, وتكدُّس السيارات المميت في الشوارع المغلقة, ونقاط التفتيش الوهمية.. على الأقل نريد انفراجا سريعا لأزمة المرور فحسب! أزمة المرور المصطنعة والمصنوعة في المطبخ  إياه!

لماذا لا يُفتح ميدان السبعين بطوله, من وسط المدينة حتى جنوبها؟ وكذلك الشوارع الموازية له, ولماذا لا يُفتح شارع جمال ويعود اتجاها واحدا؟.. لماذا التفنّن في تعذيب الناس, والتنكيد عليهم؟  إذا لم تستطع حكومة الوفاق حل أزمة المرور في الشوارع ونظافتها, فلا يجب أن نتوقع منها شيئا آخر!

يثبت الشعب اليمني أنه الأكثر صبرا, والأطول بالا بين شعوب الأرض كلها! وكنا نظن أن الشعب المصري هو الأكثر صبرا, حتى رأينا وعشنا مرارة انطفاء الكهرباء لسنة كاملة, وانعدام المشتقات النفطية, وإغلاق الجسور والأنفاق والشوارع, بل إغلاق نصف مساحة صنعاء على الأقل, وبلا أيّة دواعٍ حقيقية أو أسباب قاهرة.

هل نتخيل ردّة فعل الشعب المصري لانقطاع الكهرباء لأسبوع واحد!
حتى مشاكلنا السياسية الأكثر تعقيدا, هي من بنات أفكار المطبخ السرّي! أو نتيجة أخطائه وخطاياه: تأمل القضية الجنوبية, أو مأساة صعدة, أو ملهاة أبين, أو دراما نفط مأرب, أمّا الكوميديا السوداء, فهي مسرحية الكهرباء, وما حلَّ بها وبنا!

لا ألوم وزير الكهرباء, مثلما لم نلم سابقه. فوزير الكهرباء يملك آلافا من الموظفين المدنيين المغلوبين على أمرهم, لكنه لا يملك ولا يدير كتيبة واحدة من جيشٍ أو أمن, فمراكز القوة في الجيش والأمن هي من تدير هذه الفوضى, وإلا فعليها أن تقدِّم لنا كشفا بمن عاقبت من مجرمي ضرب أعمدة الكهرباء, وأنابيب البترول, أو كشفا بمن أدانت وسجنت منهم.

لقد بات الشعب يعرف من وراء مشاهد هذه المسرحية العبثية المملّة, سيئة الإخراج والإنتاج والسيناريو, كما أن المشاهدين والذين هم في هذه الحالة كل اليمنيين, بدأوا يقذفون المنصّة بالأحذية, بعد أن تعالت أصوات الاحتجاج, وخرجت عن السيطرة, وأخشى أن تصعد هذه الجموع المقهورة صوب المنصّة لتأكل المُخرج المتذاكي بأسنان الغضب, وأنياب الجوع, وأضراس الجنون.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق