أعرف أن كثيرين يحرّضون الرئيس في اللحظة الأخيرة على النكث بالعهود,
والتنصل عن الوعود, يفعلون ذلك وهم يذرفون دموع التماسيح التي لا تشبع أبدا!
لكن عواقب النكث بالعهد, والتنصّل عن الوعد, سيتحملها الرئيس وحده! ولأن
العالم كله أصبح شاهدا وقاضيا في نفس الوقت, فإنه لا مجال لاستئناف, ولا وقت
لالتماس.
إن المشكلة في جوهرها نفسية, وهي تصبح مشكلة عندما يشعر الحاكم أنه يمتلك
كل شيء, ويختلط لديه الحق العام بالخاص, وتتلاشى الخطوط الحمراء بين مقدّرات الشعب
وثرواته, وما يخص الحاكم وممتلكاته, وهنا تكمن العلّة النفسية التي لا شفاء منها
إلا بالصدمة الكهربائية ولا أقول الكي!
وأظن أن الرئيس تلقّى من الصدمات الكهربائية خلال السنة الفائتة بما يكفي
لينتبه, ويستيقظ من خدَر القوة, ووهم الديمومة,.. فالديمومة لله وحده!
في العالم المتحضّر, شاهدنا, ونشاهد في كل وقت الرؤساء يغادرون قصور
الرئاسة ويرحلون حاملين حقائب ملابسهم فحسب, ملوّحين بالتحية, ناثرين ابتساماتهم,
على مودِّعيهم وموظفيهم.
لقد فعلها اليمنيون مرة واحدة في تاريخهم المثقل بالصراع والجشع! فمنذ ما
يقرب من أربعين عاما, فعلها في اليمن القاضي عبدالرحمن الإرياني, وتم توديعه في المطار
كرئيس جليل محترم أصرَّ على الرحيل والمغادرة!.. وغادر حاملا حقيبته فحسب!
وللأسف فإن هذه النقطة الوحيدة المضيئة في تراثنا السياسي المدني لم تأخذ
حقها من التقدير حتى هذه اللحظة, بفعل القبلية السياسية والحزبية التي لم تجعل من
تلك اللحظة المضيئة نهارا رائعا يؤسس لليمنيين ولأول مرة في تاريخهم الانتقال
السلمي للسلطة, وما يحزن حقا أن اليمنيين, والنخب السياسية والحزبية خاصة لم تقدِّر
مبادرة القاضي الإرياني حق قدرها, ولم تفْقَه عظمة تلك الروح النادرة المرفرفة
بالعلم, والفقه, والتاريخ والمعرفة.
الآن, حصحص الحق, وأدرك اليمنيون بعد سيل من الدماء والدموع, أن القانون هو
الحاكم والحكم, وأنه لا أبديّة لحاكم, ولا توريث لرئيس, ولا سلطة مطلقة لفرد,..
وأن الرئيس هو مجرد أجير مُكلّف من شعبه بمهام وبرامج, ولسنوات معدودة لا تتجاوز
عدد أصابع اليد الواحدة!
ربما نعيش الآن لحظة مؤسِّسَة فارقة في تاريخ اليمن, وليت أنها جاءت بلا
دماء وضحايا, وأخطاء وخطايا! إذن لاحتفلنا وابتهجنا كما تحتفل وتبتهج الشعوب
المتقدمة وهي تودِّع رؤساءها وحكامها المغادرين!
وحتى لو لم تكن هناك دماء أو ضحايا,.. كيف لنا أن نحتفل في الظلام؟ الظلام
القاتل, والظلم المميت, بطول سنة هي الأسوأ والأظلم في تاريخ اليمن.
سنتذكر طويلا الظلام الذي عشناه, ولن ننسى أبدا مرأى أشلاء الشباب, ودمائهم
المراقة بلا سبب أو ذنب.
سنتذكر الألسنة المقطوعة, وقد اهتزَّت السماء لدعائها البليغ الصامت.
سنتذكر طويلا مرأى الرعاع المأجورين, وهم يقتحمون مسجد العامرية برداع, تلك
التحفة العالمية النادرة! بينما العالم مذهول من هول ما يرى, وما يفعله اليمنيون
بأنفسهم وبوطنهم.
الشعب اليمني يعرف مَنْ وراء هؤلاء الرِّعاع, ومن يدفع لهؤلاء الحمقى,
والهمج, كي تقف عقارب الساعة! أو تعود القهقرى, ولو عرف مُعِدُّ السيناريو الحق
وتأمّل, لاكتشف أن مثل هذه الجريمة ستدمغ عهده بوصمةٍ لا يمكن محوُها, أو غفرانها.
لقد أجفل العالم لمرأى العامرية المحتل. ولا أستبعد أن تصدر الأمم المتحدة
قرارا بالتحقيق والمساءلة.
إن اقتحام العامرية واحتلالها, تلخيصٌ لعهد, وخلاصةٌ لتفكير, تماما مثل قتل الشباب السلمي على أبواب صنعاء,
وليت أن تلك الوحشية كانت في التصدي لحفنة الرعاع المأجورين محتلي مسجد العامرية,
إذن لكانت الشجاعة في موضعها.. لكن, لأن النظام في غير موضعه, فهو يفعل ما يفعل!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق